تتناول الكاتبة إسراء كاراتاش ألباي في هذا التحليل أبعاد التقارب المتسارع بين تركيا ومصر، معتبرة أن الزيارات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى كل من السعودية ومصر لا تعكس دبلوماسية روتينية، بل تشير إلى إعادة تموضع إقليمي أوسع فرضته تداعيات حرب غزة وتحوّلات القلق الأمني في الشرق الأوسط.

 

وترى الكاتبة أن هذا التقارب ينبع من حسابات عملية أكثر منه رمزية، في ظل تزايد المخاوف من عدم الاستقرار الإقليمي والتهديدات التي تطال الممرات الاستراتيجية مثل قناة السويس.


يوضح تقرير تي آر تي وورلد أن أنقرة والقاهرة انتقلتا من مرحلة التطبيع الحذر إلى مرحلة أعمق من التنسيق، مدفوعتين بإدراك مشترك لحجم المخاطر التي قد تفرضها تطورات غزة، واحتمالات التهجير القسري، وتداعيات أي اهتزاز أمني على المصالح الاقتصادية الحيوية لكلا البلدين.


الأمن كدافع أساسي للتقارب


يرى خبراء العلاقات الدولية أن العامل الأمني يشكّل المحرّك الأول لهذا التقارب. فبعد حرب غزة، واجهت مصر ضغوطًا متزايدة على أمنها القومي، خصوصًا ما يتصل بالمخاوف من دفع الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية، إضافة إلى القلق من أي تهديد قد يطال قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي للبلاد.


في هذا السياق، تؤكد البروفيسورة أوزدن زينب أوكتاف من جامعة إسطنبول ميدينيت أن القاهرة رأت في التعاون مع أنقرة ضرورة لا خيارًا، خاصة في ملف غزة، حيث تلاقت مصالح البلدين في احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع.


تعزّز هذا التقارب عبر خطوات عملية، أبرزها المناورات البحرية المشتركة “صداقة في البحر” التي عُقدت في سبتمبر 2025، والتي عكست مستوى متقدمًا من التنسيق الدفاعي وبناء الثقة العسكرية. كما شارك البلدان في آليات دبلوماسية مرتبطة بغزة، ما عزّز حضورهما المشترك في جهود التهدئة.


من التطبيع إلى تعميق الشراكة


لا يقتصر التحول في العلاقات على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى مسار تدريجي بدأ بالتطبيع ثم انتقل إلى تعميق التعاون. توضّح الدكتورة سعاي نيلهان أجيقالن من جامعة حاجي بيرم ولي أن العلاقات التركية–المصرية باتت نموذجًا لانتقال محسوب من القطيعة إلى الشراكة، عبر خطوات مدروسة شملت مجالات متعددة.


على المستوى الثنائي، يبرز البلدان كقوتين محوريتين في العالم الإسلامي، تجمعهما روابط تاريخية وثقافية وجغرافية عميقة. وفي هذا الإطار، شهدت المرحلة الأخيرة توقيع اتفاقات في قطاعات استراتيجية، أبرزها الصناعات الدفاعية والطاقة، بما يعكس رغبة متبادلة في بناء مصالح طويلة الأمد.


أما على المستوى متعدد الأطراف، فتكتسب الشراكة أهمية إضافية. فالتنسيق بين أنقرة والقاهرة داخل أطر مثل منظمة التعاون الإسلامي، وفي القضايا الإفريقية، أعاد لهما وزنًا سياسيًا بعد سنوات من التباعد. ويشير الخبراء إلى أن عمل البلدين معًا في ملفات إنسانية ودبلوماسية، خاصة في غزة، منح هذا التعاون بعدًا إقليميًا يتجاوز المصالح الثنائية الضيقة.


الاقتصاد وإعادة رسم التوازن الإقليمي


يشكّل الاقتصاد الركيزة الثانية لهذا التقارب. تسعى تركيا ومصر إلى رفع حجم التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات المشتركة في ظل بيئة إقليمية تتسم بعدم اليقين. بالنسبة لأنقرة، تمثّل مصر بوابة استراتيجية إلى العالم العربي وإفريقيا، بينما ترى القاهرة في تركيا شريكًا مستقرًا ومربحًا، لا سيما في مجالات التصنيع الدفاعي والطاقة.


يتزامن هذا التقارب مع حالة من الترقب الإقليمي حيال مستقبل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وبعد عقود من الحروب بالوكالة وتآكل مؤسسات الدولة في المنطقة، يبدو أن قوى إقليمية مثل تركيا ومصر باتت أكثر حذرًا من الاعتماد المفرط على الفاعلين الخارجيين، وتسعى بدلًا من ذلك إلى بناء شبكات تعاون إقليمي تقلّل من كلفة الأزمات.


في هذا السياق، يرى محللون أن ما يتشكّل ليس مجرد استعادة علاقات، بل نمط جديد من التلاقي قائم على إدراك مشترك للهشاشة والفرص معًا. فالمناورات العسكرية عزّزت الثقة، والاتفاقات الاقتصادية دعمت القدرة على الصمود، والتنسيق الدبلوماسي أسّس لتقارب براغماتي يخدم مصالح الطرفين.


يعكس التقارب التركي المصري تحوّلًا في منطق العلاقات الإقليمية، من التنافس والصراع إلى التعاون القائم على المصالح المشتركة. وفي منطقة طالما عانت من الانقسام، يشير هذا المسار إلى سعي قوى إقليمية لبناء بنية أمنية أكثر تكاملًا، تستند إلى قدراتها الذاتية لا إلى تدخلات خارجية.


ويرى الخبراء أن هذا التنسيق، في توقيته الحالي، يحمل دلالات عميقة لمستقبل الشرق الأوسط، وقد يفتح الباب أمام توازنات جديدة أكثر استقرارًا إذا ما استمر على النهج العملي نفسه.

 

https://www.trtworld.com/article/402e40e1d6c4